قسم الفلسفة

المزيد ...

حول قسم الفلسفة

حقائق حول قسم الفلسفة

نفتخر بما نقدمه للمجتمع والعالم

21

المنشورات العلمية

212

الطلبة

0

الخريجون

منشورات مختارة

بعض المنشورات التي تم نشرها في قسم الفلسفة

عبد الرحمن بدوي ومشروعه الوجودي

وبتوفيق من الله انتهيت من إعداد هذا البحث المتواضع، وقد توصلت من خلاله إلى النتائج التالية: الوجودية أخذت تسميتها من مصطلح الوجود، وهذا أعطاها نوعاً من الهلامية، والصعوبة في التعريف والتعين، وتكمن أيضاً الصعوبة في التعريف في رفض بعض فلاسفتها لهذه التسمية، كما رفض تحديد تخصصه وحصره في ميدان ضيق، كما رفض المذهبية، أو أن توصف الوجودية بالمذهب. وهذا ما نراه واضحاً جلياً في فلسفة رائدها الأول(كيركجور). إن الوجودية كان لها طابع مميز، فهي مثلاً بحثت في بعض التجارب العميقة المتعلقة بالإثم، والخطيئة، واليأس، والقلق، والموت. . . الخ، وقد واجهت جميع الاتجاهات الوجودية في (الأربعينيات، والخمسينيات) من القرن (العشرين) هذه المشكلة. فنجد (هيدجر) على سبيل المثال يتحدث عن الحياة الزائفة، و(ياسبرز) يتحدث عن المواقف المقيدة. و(مارسيل) عن الوجود، والملك، واليأس، كما تميزت بطابعها النقدي، أو طابع الرفض والثورة. الوجودية كفلسفة أول من استعملها في مضمون فلسفي في الساحة العربية هو الفيلسوف (عبد الرحمن بدوي)، وقد اطلعنا على سيرة (بدوي) الذاتية التي أراد لها أن تكون وصيته الفلسفية الأخيرة فإنها لم تكن تجميعاً للحقائق اللازمة؛ بل أحداثا مأخوذة بالزمن متتابعة التواريخ، وهذه التسلسلية هي أسلوب أو مستوى تنظيم لحياته على إطار الزمن فليس الزمن عنده مجرد تسلسل؛ إنما الزمن عنده تكتسي فيه الأحداث مظهر التجربة المعيشية ذات البداية، والوسط، والنهاية، وتؤكد أن لهذه التجربة معنى وواقعية، وتستمر هذه المعاني على مدى أجيال زمنية متعاقبة. تكمن أهمية فلسفة بدوي في إثبات القيمة الكبرى للإنسان، واعتبار الإنسان محوراً أساسياً متفرداً، بعيداً عن التصوير التقليدي للفلسفات التي كانت تبخس حق الإنسان وتجعله مستسلماً للغيب والقدر وللآخرين أيما كانت صفتهم؛ بل يصور الإنسان على أنه كائن فاعل له دور كبير في هذا العالم الذي ألقي فيه صدفة – مع تحفظنا على هذا المعنى – دون إرادة منه أو قرار، وأن الإنسان قادر على تطويع المشكلات وإيجاد الحلول، وخلق قيم للخير والجمال. يقول (بدوي) كما هي الوجودية بالفردانية، وأن الإنسان عالم قائم بذاته، وقلعة محصنة من الفردانية، والإرادة، والحرية، وعلى حد قول الشاعر: وتحسب نفسك جرماً صغيراً وفيك انطوى العالم الأكبر فالوجود هو الوجود الفردي، والذات هي الأنا المريد المتواجدة بين الإمكان والواقع، أو من الإمكان إلى التحقيق، وهذا الوجود زمانياً في جوهره وبطبيعته فأصبح الكائن زمانياً لا مجرداً ولا صورياً، ذاتياً لا موضوعياً، جزئياً لا كلياً فردياً لا عاماً، فردياً في النوع لا العدد، وجوده أسبق من ماهيته، وجوده الفعلي هو وجوده حاضراً هنا الآن، وبالتالي فلا وجود إلا مع الزمان وبالزمان وما ليس بمتزمن بزمان فلا يمكن أن يعد وجوداً. انتقدت الوجودية ووصفت باللأخلاقية إلا أنها لم تكن ضد الأخلاق أو تنكر وجودها إلا أن الأخلاق الوجودية قائمة على موقف (الإنية) أو(الذات المريدة)، فالفرد هو صاحب الموقف والخالق للقيمة، والسلوك الأخلاقي قائم على الحرية الشخصية. يعلن بدوي صراحة أنه من غير الممكن قيام أخلاق وجودية، ويقيم نسقه الأخلاقي على أساس الفعل الدائم أياً كان نوعه ونتائجه، هذا الفعل النابع من فعل الأمر: " أفعل ما شئت مادام جديداً ! وما أحرانا أن نستلهم القيمة العملية في فلسفة بدوي من أجل إصلاح الإنسان في أمتنا، والنهوض به نحو مواطن الإبداع والحضارة، وأحسب أن في ذلك إحياءً حقيقياً لتراثنا العربي المعاصر وامتداداً لمشروع النهضة العربية القائم على الواقع وتغييره نحو الأفضل، متمثلاً في الفعل الإنساني فإن لم يخطيء الإنسان فلن يصيب، ولهذا لا يجب أن يتوقف عن الفعل أبداً بل يستمر إنساناً فعالاً مدى حياته ساعياً بفعله نحو اكتمال ذاته ووصوله إلى الإنسان الكامل. وفي النهاية أقول أن فلسفة بدوي إسهام يستهدف الحقيقة بشمولها، يبقى دون الكمال، غير أنه يرسي الأساس لمشاريع أبحاث أخرى تستكمل المحاولة، وتثري حقيقة تاريخية يجري بناؤها، لبنة لبنة، وخطوة خطوة. وانتهى بحمد الله، وإن كان في بحثي هذا تقصيرُ، فإني مدركة لما أنا عليه من قصور، فالقصور من عندي، وإن حاز القبول فبفضل من الله وحده وهو وحده ولي النعمة والفضل. . . (ربنا لا تؤاخذنا، إن نسينا أو أخطأنا)، وعلمنا ما ينفعنا، وأنفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، إنك على كل شيء قدير. سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم والحمد لله وكفى وسلاماً على عباده الذين اصطفى.
فوزية منصور محمد(2008)
Publisher's website

منهج الكندي في التوفيق بين علم الكلام والفلسفة دراسة تحليلية نقدية

في خاتمة هذا البحث توصلت إلى النتائج التالية: ظهرت البدايات المنهجية عند الكندي حيث قام باستيعاب الكثير من علوم ومعارف عصره، وتجلى ذلك في الدور الذي قام به في العناية بالتراث الفلسفي للحضارات الأخرى، وخاصة اليونانية، وتقديمه الفلسفة للأمة الإسلامية بصورة منهجية واضحة. إن الباحث لمنهج الكندي يجد أنه اشتغل بعلم الكلام أولاً، ثم اشتغل بالفلسفة اليونانية ثانياً، فكان لزاماً عليه أن يقوم بعملية التوفيق بين عقائد الإسلام والفلسفة، حتى لا تبدو غرابة الفلسفة ويقلل من نظرة العداء التي نظرت إليه، فحاول إقناع المسلمين بأن الفلسفة لا تعارض الدين ولا تعانده، بل إن الفلسفة هي علم الأشياء بحقائقها علم الربوبية، وعلم الوحدانية، وعلم الفضيلة، وجعله علم كل نافع، والسبيل إليه. وفي سبيل هذه الدعوى التوفيقية اضطر الكندي للتأويل العقلي والفلسفي ابتغاء نجاح هذه الدعوى. اهتم الكندي بتوضيح العلاقة بين المنهج والمعرفة، ورسم حدوداً جعلت منه أول فيلسوف عربي مسلم وضع قضية المعرفة في إطار فلسفي إسلامي بالمعنى الشامل. أثبت البحث اهتمام الكندي بتصنيف العلوم وأهمية هذا التصنيف في منهج التوفيق، فوضع نظرية في تصنيف العلوم تقوم على أساس الجمع بين العلوم الدينية والعلوم الفلسفية المعروفة عند اليونان، وبذلك يكون الكندي قد وضع أساساً لتصنيف العلوم استفاد منه جميع مفكري الإسلام. أدرك الكندي أن لكل علم منهجاً خاصاً به، حيث سبق الكثيرين من دعاة المنهج في عصور الفكر المتعاقبة، وذلك حين أوضح اختلاف المناهج بحسب طبيعة الموضوعات. أدرك الكندي كذلك أهمية القواعد المنهجية التي يجب أن يلتزم بها الباحث في بحثه، كالتقسيم والترتيب والتحليل والتركيب، وهي قواعد لا غنى عنها في أي بحث ينشد الدقة المنهجية والعلمية. كشف البحث أن الكندي كان من الرواد الأوائل الذين مهدوا الطريق لظهور المنهج التجريبي، حيث اهتم اهتماماً شديداً بعناصر هذا المنهج، كما عُرفت في هذا العصر الحديث، فأكد على أهمية الملاحظة والتجربة والفروض، وقد جمع الكندي في منهجه التجريبي بين الاستقراء والاستنباط جمعاً لم يظهر له مثيل إلاّ في المنهج العلمي الحديث. مارس الكندي المنهج التجريبي ممارسة فعلية في مجالات كثيرة منها: مجال علم الجغرافيا والفيزياء. في مجال الكيمياء تبيّن لنا أن الكندي لم يرفض الكيمياء على الإطلاق، وإنما رفض فقط مسألة تحويل المعادن غير النفيسة إلى ذهب وفضة، وهو بذلك أول فيلسوف عربي مسلم يحارب الاتجاه القديم في تاريخ الكيمياء عند العرب، وقد سار على نهجه ابن سينا والبيروني، وابن تيمية وابن خلدون وغيرهم. إلاّ أنه مارس الكيمياء في موضوعات أخرى مثل كيمياء العطور وفي صناعة السيوف، وفي تحضير العقاقير. . . واستخدم في ذلك جميع العمليات الكيميائية. إن الكندي من الفلاسفة المسلمين الذين اهتموا بعلم الفلك، وقد شارك في تجديده، وتجلّت منهجيته في علم الفلك حين جمع بين الاستقراء والاستدلال. أثبت البحث أن الكندي صاحب نزعة رياضية واضحة وهو ما صرّح به في معظم رسائله، حين أكّد على وجوب تعلّم الرياضيات قبل الفلسفة، وتجلّت نزعته الرياضية في اهتمامه بالمنهج الاستدلالي الرياضي واستخدامه في كثير من المجالات خاصة في المباحث الفلسفية، إلى جانب استخدامه البراهين الهندسية في كثير من العلوم الطبيعية، كالفيزياء والفلك وغيرهما، وهو في هذا قد سبق ديكارت أكبر روّاد هذا الاتجاه في العصر الحديث. إن رسائل الكندي التي بلغتنا تُظهر على نحو يكاد يكون قاطعاً أن الكندي، خلافاً لما ذهب إليه بعض النقاد القدماء قد انحرف عن تعليم أرسطو في عدد من المسائل الكبرى، وبقى أميناً لروح الشريعة الإسلامية، ومثال ذلك قوله أن حقيقة الوحي يستطاع إثباتها بالقياس المنطقي على وجه لا يتصدى لإنكاره إلاّ الجاهل أو أن الحقيقة المنزّلة تفوق الحكمة الإنسانية مرتّبة، كما يفوق الأنبياء الذين ينطقون باسم الله، والذين هم حملة العلم الإلهي سائر البشر، وفضلاً عن ذلك فقد انضم إلى فئة المتكلمين الذين انتصروا للعديد من العقائد الإسلامية الأساسية في وجه تهجمات الماديين والمانويين والملحدين، وانحراف العديد من الفلاسفة الآخرين، ويشهد على ذلك دفاعه عن فكرة حدوث العالم من العدم، وعن حشر الأجساد، والمكان، وحدوث المعجزات، وصحّة الوحي النبوي، وقدرة الله على إحداث العالم وإفنائه. . . إلخ.
سهام أحمد الإريبع(2011)
Publisher's website

الخطاب الفلسفي بين الغزالي وابن رشد " دراسة تحليلية مقارنة "

في نهاية هذا البحث أرى أنه من الضروري عقد مقارنة بين رأيي الغزالي وابن رشد قبل ذكر نتائج هذا البحث . أولاً: نقاط الإتفاق والإختلاف بين الغزالي وابن رشد : نقاط الإتفاق : يتفق ابن رشد والغزالي في طريقة عرض المسائل والموضوعات، فكما عرض الغزالي آراء المشائين، وفند أدلتهم للرد عليها ؛ كذلك فعل ابن رشد في كتابه حين عرض لأراء الغزالي وفندها للرد عليها أيضاً محاولاً الدفاع عن موقف سلفه من المشائين. كما يذهب الغزالي في الدليل الأول من المسألة الأولى إلى القول بجواز تراخي المفعول عن إرادة الفاعل ولا يجيز تراخيه عن فعل الفاعل المختار، نجد ابن رشد يسلم معه بالقول بذلك إذ يقول: " وتراخي المفعول عن إرادة الفاعل، جائز، وأما تراخيه عن فعل الفاعل له، فغير جائز . "(1) يتفق كل منهما في القول بأن تقدم الباري سبحانه وتعالى على العالم ليس تقدماً زمانياً، إذ لو كان القول بذلك غير صحيح لكان هناك فاصل بين الله والعالم هو الزمان وكان قبل الزمان الذي وجد فيه العالم زمان، وهكذا تتسلسل إلى مالا نهاية له وهذا محال . لذا ذهب الغزالي إلى القول بأن: (( . . . الزمان حادث ومخلوق وليس قبله زمان أصلاً، ومعنى قولنا: إن الله متقدم على العالم والزمان، أنه سبحانه كان ولا عالم ثم كان ومعه عالم، ومفهوم قولنا: كان ولم يكن معه عالم، وجود ذات الباري وعدم ذات العالم فقط ؛ ومفهوم قولنا: كان ومعه عالم، وجود الذاتين فقط فنعني بالتقدم انفراده بالوجود فقط ؛ والعالم كشخص واحد، ولو قلنا: كان الله ولا عيسى مثلاً ثم كان وعيسى معه، لم يتضمن اللفظ إلا وجود ذات وعدم وجود ذات، ثم وجود ذاتين، وليس من ضرورة ذلك تقدير شيء ثالث. ))(2) . ويقول ابن رشد: (( . . . فتقدم أحـد الموجودين على الآخر أعنى الـذي ليس يلحقه الزمان ؛ ليس تقدماً زمانياً، ولا تقدم العلة على المعلول اللذين هما من طبيعة الموجود المتحرك، مثل تقدم الشخص على ظله، ولذلك كل من شبه تقدم الموجود غير المتحرك على المتحرك بتقدم الموجودين المتحركين أحدهما على الثاني فقد أخطأ، وذلك أن كل موجودين من هذا الجنس، هو الذي إذا اعتبر أحدهما بالثاني، صدق عليه أنه: إما أن يكونا معاً، وإما أن يكون متقدماً عليه بالزمان، أو متأخراً عنه، والذي سلك هذا المسلك من الفلاسفة هم المتأخرون من أهل الإسلام ؛ لقلة تحصيلهم لمذهب القدماء. ))(1) -يسلم ابن رشد بما ذهب إليه الغزالي من أن الأمر الثالث الذي يتصوره الفلاسفة ( الزمان ) ما هو إلا من عمل الوهم وليس له وجود بذاته ولا له وجود خارج النفس، فالزمان: (( نسبة لازمة بالقياس إلينا . . . ))(2) إذ هو شيء يفعله الذهن في الحركة، والحركة لا يمكن إبطالها، والزمان كذلك ولا يمتنع وجود الزمان إلا مع الموجودات التي لا تقبل الحركة، وأما تقدير وجود الموجودات المتحركة فلا ينفك عنها الزمان ضرورة وهذا ما أوضحه ابن رشد بقوله: (( إن الموجود نوعان: أحدهما من طبيعته الحركة والآخر ليس من طبيعته الحركة . . . ))(3) . يتفق الفيلسوفان في القول بأن تعدد الأنواع والأجناس يوجب التعدد في العلم وأن عقلنا الإنساني يستمد علمه من الموجودات الجزئية لأنه (( عقل منفعل ومعلول ))(4)، أما علم الله فهو (( فعل محض وعلة ؛ فلا يقاس علمه على العلم الإنساني ))(5) . وفي المسألة الثالثة يتفق كل منهما في القول أن النفس لا تفنى بفناء الجسد وإنما تبقى بعد الموت، كما دلت عليه الدلائل العقلية والشرعية وإنه لا بد من الإيمان بعودة النفوس إلى أمثال أبدانها لا عين أبدانها وهذا ما عبر عنه الغزالي بقولـه: (( . . . لأنه مهما انعدلت الحياة، فاستئناف خلقها، إيجاد لمثل ما كان، لا لعين مـا كان، بل العود المفهوم، هو الذي يفرض فيه بقاء شيء، وتجدد شيء، كما يقال فلان عاد إلى الإنعام أي أن المنعم باق، وترك الإنعام، ثم عاد إليه، أي عاد إلى ما هو الأول بالجنس، ولكنه غيره بالعدد، فيكون عوداً بالحقيقة إلى مثله، لا إليه، ويقال: فلان عاد إلى البلد، أي بقي موجوداً خارج البلد، وقد كان له كونٌ في البلد، فعاد إلى مثل ذلك. . . ))(1)، وأيده فيه ابن رشد بقوله: (( وأن يضع أن التي تعود هي أمثال هذه الأجسام التي كانت في هذه الدار لا هي بعينها، لأن المعدوم لا يعود بالشخص، وإنما يعود الموجود لمثل ما عدم، لا لعين ما عدم . . . ولذلك لا يصح القول بالإعادة، على مذهب من اعتقد من المتكلمين أن النفس عرض، وأن الأجسام التي تعاد هي التي تعدم، وذلك أن ما عدم ثم وجد، فإنه وجد بالنوع، لا واحد بالعدد، بل اثنان بالعدد . . . ))(2) نقاط الاختلاف : الاختلاف في النشأة، حيث يوجد اختلاف كبير بين الفيلسوفين وظروف عصريهما : - فبينما كانت حياة الأول منذ بدايتها حياة فقر وزهد، وسعى لطلب العلم في مختلف المجالات وفي أي مكان، كانت حياة الثاني حياة هدوء وسكينة، فقد نشأ في بيت جاه، وكان طلبه للعلم ميسراً، فلم يحتج إلى السفر إلى أي مكان لتحصيل العلم ؛ بل درس الفقه والطب والفلسفة في قرطبة مسقط رأسه . الإختلاف في الفكر : بينما اتجه فكر الغزالي إلى التصوف والدفاع عن الدين والعقيدة الإسلامية الصحيحة، اتجه فكر ابن رشد إلى الفلسفة مدافعاً عنها وعن فلاسفتها المشائين . الإختلاف في المسائل الثلاث : يرى الغزالي ليس استحالة تأخر المعلول عن علته في الموجَب والموجِب الضروري الذاتي فحسب بل في العرفي والوضعي أيضاً، وقد مثل لذلك بمسألة الطلاق(1)، بينما نجد ابن رشد يرى أن الأمر في الوضعيات ليس كالأمر في العقليات إذ (( لا نسبة للمعقول، من المطبوع في ذلك المفهوم إلى الموضوع المصطلح عليه ))(2) . وفي حين يرى الغزالي أن كل ما هو مدرك بمعرفة أولية يجب أن يعترف به جميع الناس، يرى ابن رشد أنه ليس من شرط المعروف بنفسه أن يعترف به جميع الناس لأنه ليس أكثر من كونه مشهوراً، ولا يلزم فيما كان مشهوراً أن يكون معروفاً بنفسه . بينما يذهب الغزالي إلى القول بنسبية حركة الأفلاك، وتقسيمها إلى شفعية ووترية، يرى ابن رشد أن هذا لا ينطبق إلا على الأمور المحدثة ذات البداية والنهاية ولا يصح البتة إطلاقه على ما لا نهاية له لأن المحدث وحده يخضع للتجزئة والتقسيم كما أنه لا يسعنا أن نفترض وجود اللحظة الأولى التي تحرك فيها العالم، وبما أن الزمان هو مقياس الحركة، والحركة الأزلية ناشئة عن العالم، فإن العالم الذي صدرت عنه الحركة أزلي أيضاً . يرى الغزالي، بأن أخد أحد الشيئين المتماتلثين هو تمييز الشيء عن مثله(3)، نجد ابن رشد يرى أن أخذ أحد الشيئين المتماتلثين ليس تمييز الشيء عن مثله، (( وإنما هو إقامة المثل بدل مثله، فأي منهما أخذه بلغ مراده، وتم له غرضه، فإرادته إنما تعلقت بتمييز أخذ إحداهما عن الترك المطلق، لابأخذ أحدهما وتمييزه عن ترك الآخـر . ))(4)هـ-بينما يتفق – الغزالى وابن رشد – فى القول بأن تقدم البارى سبحانه وتعالى على العالم ليس تقدماً زمانياً، نجدهما يختلفان فى نوع التقدم ففي حين يقول الأول: بأن تقدم الأول على التانى تقدم بالذات. يقول الثـانى: بنوع آخر من التقدم دون أن يحدد هذا النوع من التقدم إذ يقول: (( فإذن تقدم أحد الموجودين على الآخر هو تقدم الوجود الذى هو ليس بمتغير ولا فى زمان على الوجود المتغير الذى فى الزمان، وهو نوع آخر من التقدم . ))(1) في الدليل الثالث بينما يسلم الغزالي - من أجل إثبات حدوث العالم - بأن العالم قبل وجوده كان له إمكانات غير متناهية بالعدد إذ يقول: (( العالم لم يزل ممكن الحدوث، فلا جرم ما من وقت إلا ويتصور إحداثه فيه . . . ))(2)، ومعنى ذلك هو أن يكون قبل هذا العلم عالم وقبل العالم الثاني عالم ثالث وغير ذلك إلى غير نهاية له، نجد ابن رشد يبطل ذلك، فيرى أنه من المحـال أن يكون قبل هذا العالم عالم آخر وهكذا إلى غير نهـاية له، لأن ذلك (( يلزم أن تكون طبيعة هذا العالم طبيعة الشخص الواحد الذي في هذا العالم الكائن الفاسد، فيكون صدوره عن المبدأ الأول بالنحو الذي صدر عنه الشخص، وذلك بتوسط متحرك أزلي و حركة أزلية، فيكون هذا العالم جزءاً من عالم آخر، كالحال في الأشخاص الكائنة الفاسدة في هذا العالم، فبالإضطرار إما أن ينتهي الأمر إلى عالم أزلي بالشخص، أو يتسلسل، وإذا وجب قطع التسلسل، فقطعه بهذا العالم أولى، أعني بإنزاله واحداً بالعدد أزلياً ))(3) . بينما يرى الغزالي في الدليل الرابع أن الإمكان والإمتناع والوجوب (( قضايا عقلية لا تحتاج إلى موجود حتى تجعل وصفاً له . . . ))(1)، إذ لو احتاج الإمكان إلى وجود شيء لاحتاج الإمتناع إلى وجود شيء يضاف إليه، وكذلك نفوس الآدميين المجردة، وكذلك السواد والبياض، نجد ابن رشد يؤيد رأي الفلاسفة ويقول بقولهم : إن الإمكـان يستدعي شيئاً يقوم به هو المحل القـابل للشيء الممكن، وهذا بين عنده لأن المعقولات الصادقة لابد أن تستدعي أمراً موجوداً خارج النفس . فعند قولنا بأن ذلك الشيء ممكناً يقتضي شيئاً يوجد فيه هذا الإمكان، وأن الممتنع كالممكن أيضاً لابد له من موضوع وهذا بين أيضاً عنده لأن الممتنع والممكن متقابلان، والأضداد المتقابلة لابد لها من شيء، وبما أن الإمكان يستدعي موضوعاً، فإن الإمتناع الذي هو سلب الإمكان يستدعي موضوعاً أيضاً، ويضرب مثلاً لذلك فيقول (( فإن وجود الأبعاد المفارقة ممتنع خارج الأجسام الطبيعية أو داخلها ونقول: إن الضدان ممتنع وجودهما في موضوع واحد، ونقول: إنه ممتنع أن يوجد الإثنان في واحد . . . ))(1) يختلف كل منهما عن الآخر في أمر الإمكان هل هو أمر ذهني أم له وجود خارج النفس، فبينما يذهب الغزالي إلى القول أن الإمكان أو أن الأمر الكلي أمر ذهني لا وجود له في الخارج، يذهب ابن رشد إلى القول أن الإمكان له وجود في الخارج لأنه نابع عن جزئيات موجودة خارج النفس(2) . بينما يرى الغزالي أن العلم شيء والمعلوم شيء آخر، فالمعلوم يطلق على الشيء الموجود، ويطلق العلم على إدراك هذا الشيء، بحيث لو فقد العلم أو لم يدرك الشيء لم يفقد المعلوم، يرى ابن رشد أن العلم والمعلوم شيء واحد . أما فيما يتعلق بمسألة الجزئيات، يرى الغزالي أن تعدد الأنواع والأجناس تقتضي تعدداً في العلم كما تقتضيه الأشخاص المتعددة(3)، في حين يقول ابن رشد: أن علم الأنواع والأجناس الثابتة ثابت أيضاً ولا يوجب تغيراً، أما فيما يختص بقيـاس علم الأشخاص بعلم الأنواع فيقول الغزالي بأن العلم في كليهما علم واحد بينما يرى الخصم ابن رشد أنه قياس لا طائل تحته لأن هذين العلمين مختلفين والإشتراك اسمى وبمعنى التعدد، وفـي هذا يقول: (( . . . إنمـا يجتمعان: أعني الكلية والجزئية في ثانياً: النتائج : بعد هذه الرحلة الطويلة من الإطلاع والقراءة تبدى للباحثة حقائق ونتائج منها: إن كل خطاب فكري لا ينشأ طفرة بل لابد له من مرتكز ومستند فكري وسياسي واجتماعي يمكّنه منأن ينحو المنحى الذي يطبعه ويميزه . على الرغم من موقف الغزالي الشديد من الفلسفة والفلاسفة إلا أنه لا يخفى أنه لم يسع إلى هدم الفلسفة كمنهج من مناهج العقل، أو أنه حارب الفلسفة من حيث هي علم تفسير بل إنه حارب التيار الهيليني الوثني المجافي لروح الإسلام، وأكبر دليل على ذلك هو تأليفه في الفلسفة كتابيه المشهورين " مقاصد الفلاسفة، و تهافت الفلاسفة "، وعلى الرغم من أنه كان يقصد بكتابيه الرد على الفلاسفة، وبيان تهافتهم إلا أن النقد والرد عليهم يعتبران فلسفة في حد ذاتها، وذلك أنه استخدم نفس الآلة التي استخدموها وهى العقل . من خلال اطلاعنا على كتاب تهافت الفلاسفة نستطيع أن نتبين الآتي : إن هدف كتاب تهافت الفلاسفة هو إظهار العقل بمظهر العاجز عن اقتناص الحقائق الإلهية، ولهذا، يحاول الغزالي فيه أن ينتزع ثقة الناس من العقل كمصدر تتعرف منه المسائل الإلهية ولكن الغزالي إذ يحاول، تقييد سلطة العقل يتخذ من العقل نفسه مطية للوصول إلى هذه الغاية . فإذن عمله هذا هو محاولة عقلية لإثباث قصور العقل في ميدان الإلهيات، وشهادة بأن العقل حدّاً يجب الوقوف عنده. إن الغزالي في سلوكه مع الفلاسفة لم ينحرف بآرائهم عن وضعها الصحيح، بل إنه قد أظفى عليها إشراقاً وصفاء . عرضه لأدلة الفلاسفة في صورة دقيقة وواضحة . إن ابن رشد حين دافع عن موقف الفلاسفة إنما اختار لنفسه جانباً خاصاً يمكن أن نجمله في الآتي : -قبوله ما رآه صحيحاً من الأدلة التي تقدم بها الغزالي في كتابه ذاكراً أنها أدلة الفلاسفة لمذهبهم ورفض مالا يراه صحيحاً منها . الرد على ما وجهه الغزالي من اعتراضات على تلك الأدلة . التقدم بأدلة أخرى لتأييد رأي الفلاسفة . إن كتاب تهافت التهافت ليس مخصصاً للبرهنة بل لرد هجوم الغزالي، وبيان أن أكثر ما جاء به لا يرتفع إلى مرتبة اليقين والبرهان، بل كلها معارضات سفسطائية مشوشة كما يقول . كتب ابن رشد كتابه تهافت التهافت للرد على كتاب الغزالي السابق الإشارة إليه، وعلى كل من هاجموا الفلاسفة والفلسفة وأكد منذ البداية على أن من واجب الجميع أن يحترموا الفلسفة ويقدروا الفلاسفة، حتى إذا ما اختلفنا معهم أو حتى إذا أخطأوا، فالواجب فيما يرى ابن رشد أن لا ننكر فضلهم في النظر العقلي، فلو لم يكن لهم إلا صناعة المنطق لكان واجباً علينا وعلى جميع من عرف هذه الصناعة أن يشكرهم عليها وأن يستفيد منها . أما فيما يتعلق بالمسائل التي أخذها الغزالي على الفلاسفة فقد رد عليها ابن رشد مسألة بعد أخرى، مؤكداً أنه من الضروري فيما يتعلق بفكرة الألوهية أن نخاطب الناس على قدر عقولهم وأن نميز بين تصويرين متميزين، أحدهما للعامة والآخر للخاصة، الأول خطابي والآخر برهاني، وقد عاب على المدارس الكلامية أنهم بلبلوا أذهان العامة وعقدوا الأمور على الجماهير، كما عاب على الغزالي أنه كشف في تهافته عن أمور كان الأولى أن تقتصر على الخاصة وألا يشغل بها العامة. إن اسم الكتاب (تهافت التهافت) لا يحمل في طياته مجرد الدلالة على الكتاب فقط بل على موضوع الكتاب، والبواعث التي دفعته لتأليفه، ففيه يقلب الحقائق على مختلف وجهاتها، فيكشف عن مقاصد الفلاسفة حيناً، ويستجلي ضلالتهم في فهم أرسطو حيناً آخر، ويرفع عنهم تهمة الكفر التي ألحقها بهم الغزالي في مسائل ثلاث خالفوا فيها أصول الدين، مبيناً بعد ذلك موقفه من كل منها . إن الذي يطلع على كتاب تهافت التهافت يمكنه أن يتبين في رد ابي الوليد ثلاثة أقسام: استصواب كلام خصمه في أحدها، وخطأه في القسم الثاني مؤيداً الفلاسفة، والثالث بين فيه مواضع خطأ الغزالي في أنه نسب إليهم ما لم يقولوه، فنقض ما نسب إليهم فأصاب وأخطأ في النسبة . إن أسماء الكتابين دليل واضح على طبيعة الخطاب بينهما، والذي يزداد وضوحاً عند عملية المقابلة بين دفتي هذين الكتابين وهي عملية مقابلة الرأي بالرأي، والدليل بالدليل . إن كلا الكتابين يكمل كل منهما الآخر و يؤلفان كلاً لا يتجزأ، فإذا ذكر أحدهما ذكر الآخر، ولا تعرف قيمة تهافت التهافت إلا بمعرفة تهافت الفلاسفة . إن التراث العربي لا يخلو من أمثال هذين الكتابين، فهاهو (خواجه زاده) المتوفي سنة (893هـ) ألف كتاباً سماه (تهافت الفلاسفة) أيضاً، وقد ألفه بإشارة من السلطان محمد الفاتح العثماني، وهو كتاب جاء للتحكيم بين الغزالي وابن رشد، فيما اختلفا فيه من مسائل . إن الغزالي وابن رشد يكادان يتفقان نوعاً ما في الأسلوب والطريقة في عرض مسائل الكتاب، فطريقة ابن رشد طريقة جدلية كطريقة الغزالي إلا أنها أدق منها من حيث تفنيدها بنقد نص بعينه، والدليل على ذلك أن الغزالي إذا عرض إحد نظريات الفلاسفة ذكر أدلتهم كما فهمها ثم أورد اعتراضه عليها وفندها وأتى بأحكام مناقضة لها، أما ابن رشد إذا ذكر نصاً للغزالي يكتفي بذكر أول ذلك النص وآخره خوفاً من الإطالة ثم أوجزه وأوضحه وفنده وخطأ قائله، كما تميزت طريقته بتحليله المسائل تحليلاً منطقياً جلياً مثبثاً تعريف الألفاظ وتطبيقاتها على ما هو متنازع عليه، أو ما ساده غموض بين الطرفين المتخاصمين . ذا كانت مسألة قدم العالم وحدوثه تحتل مركزاً ممتازاً في تاريخ الفكر الفلسفي عامة والفلسفة الإسلامية خاصة، فإن مسألة العلم الإلهي ومسألة حشر الأجساد لاتقل أهمية عنها، إذ يعد البحث في هاتين المسألتين على جانب كبير من الأهمية ودليل ذلك هو أن دراسة هذين الموضوعين قد شغلا متكلمي وفلاسفة العرب زماناً طويلاً وأن البحث فيهما يعد من البحوث العويصة في حد ذاته، ودليل هذا أننا نجد المتكلمين والفلاسفة قد خصصوا مبحثاً محدداً لدراسة هذين الموضوعين في مؤلفاتهم، بالإضافة إلى تضارب الآراء حولهما تضارباً شديداً، وذهاب كل فرقة مذهباً معيناً يختلف في كثير أو في قليل عن بقية الآراء والمذاهب الأخرى . لم يستطع ابن رشد أن يهدم اعتراضات الغزالي على الفلاسفة في مسألة قدم العالم كما كان يتوقع ذلك، وذلك لأن القول بالحدوث أقرب إلى العقل والنقل منه بالقول بالقدم خاصة بعد أن أثبته العلم في العصر الحديث . ظهرا الإمام الغزالي وابن رشد مقدرة فائقة في التحليل والنقاش وتقصي الحقائق من خلال كتابيهما المشهورين في جميع المسائل وخاصة في مسألة قدم العالم وحدوثه، الأمر الذي يشهد له كثير من المفكرين في القديم والحديث بأنهما أهل لأن يحتلا مكاناً مرموقاً في تاريخ الفكر الفلسفي على وجه العموم . إن المحاورات الفكرية بين الفلاسفة من جهة وبين الفقهاء والمتكلمين من جهة أخرى، وبين كل واحد من هؤلاء أو أولئك إنما تمثل ظاهرة فكرية صحيحة برهنت على حيوية المسلمين وإعمالهم للعقل وللإجتهاد في كل شيء، وقد كان ذلك الصدام الشهير بين الغزالي وبين الفلاسفة السابقين عليه من جهة، وبين الغزالي وابن رشد من جهة أخرى أكثر دلالة على أن الخلاف والإجتهاد في الرأي لم يكن يفسد للود قضية بين مفكري العالم الإسلامي، وذلك كان تعبيراً حياً على مدى وعي المفكرين المسلمين وفهمهم العميق لدينهم ودنياهم في آن واحد. هذا هو جهدي المتواضع في تناول هذا الموضوع الشائك، فإن وفقت فمن الله، وإن كانت الأخرى فمن نفسي، وعذري أني حاولت .
عائشة يوسف الدوكالي عرعارة(2007)
Publisher's website