قسم اللغة العربية

المزيد ...

حول قسم اللغة العربية

قسم اللغة العربية

نبذة عن القسم

يُعَدُّ قسم اللغة العربية من أوائل الأقسام العلمية بالجامعة افتتاحًا، حيث أنشئ لغرض تخريج الكوادر العلمية المؤهلة لتدريس اللغة العربية وآدابها، والعلوم الإسلامية بفروعها المختلفة، لطلاب مراحل ما قبل الجامعة، والإسهام في رفع كفاءة متعاطي العمل باللغة العربية في التعليم والإعلام، وكافة المناشط الأخرى.

بدأ العمل بقسم اللغة العربية منذ منتصف الستينيات من القرن الماضي، وكان ينضوي أول الأمر تحت كلية المعلمين العليا، التي سميت فيما بعد بكلية التربية.

حقائق حول قسم اللغة العربية

نفتخر بما نقدمه للمجتمع والعالم

50

المنشورات العلمية

23

هيئة التدريس

373

الطلبة

0

الخريجون

البرامج الدراسية

No Translation Found
تخصص No Translation Found

No Translation Found...

التفاصيل

من يعمل بـقسم اللغة العربية

يوجد بـقسم اللغة العربية أكثر من 23 عضو هيئة تدريس

staff photo

د. صالح محمد ضو الشريف

صالح محمد الشريف هو أحد أعضاء هيئة التدريس بقسم اللغة العربية بكلية الآداب طرابلس. يعمل السيد صالح الشريف بجامعة طرابلس كأستاذ مساعد منذ 2016-07-24 وله العديد من المنشورات العلمية في مجال تخصصه.

منشورات مختارة

بعض المنشورات التي تم نشرها في قسم اللغة العربية

توظيف الشواهد البلاغية في كتاب دلائل الإعجاز للشيخ عبد القاهر الجرجاني

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأصلي وأسلم على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فقد بلغ هذا العمل نهايته، ولكن تجدرالإشارة إلى أن بعض النتائج التي توصل إليها البحث لم يكن من المستطاع أن يتم تناولها في صلب الدراسة بسبب تركيزها على شواهد كتاب "دلائل الإعجاز" بصفة خاصة، وليست هي بالأمر الهين، وأن التطرق إلى تلك النتائج الهامة سيقلل من نسبة التركيز التي كان البحث في الشواهد يتطلبها، ولذلك لابد من التطرق لتلك النتائج في الخاتمة حيث لم يتسع لها البحث، وهذه النتائج جاءت على النحو التالي: أن النهوض بالبلاغة العربية لن يتم دون النهوض بالشاهد البلاغي. إن عملية انتخاب الشاهد البلاغي ليست بالأمر الهين " فلم يكن الاختيار عملية يسيرة، بل كانت عندهم دقيقة لا تقل – في عسر مخاضها – عن عملية الخلق والإبداع ذاتها، وهي تحتاج إلى أدوات صارمة في التمييز والتنقيح، فضلا عما ينتظر القائمين عليها من التشبع بالنصوص، وطول معاشرتها " يقول الشيخ عبد القاهر الجرجاني كدليل على صدق كلام صاحب المدونة وهو يتحدث عن الصعوبة، التي يتجشمها الباحث عن المزايا، التي عرضت بسبب "معاني النحو": " ثم إنك تحتاج إلى أن تستقري عدة قصائد بل أن تفلي ديوانا من الشعر حتى تجمع منه عدة أبيات" إذا كانت اللغة تشبه الكائن الحي، وأن هذا الكائن مكون من أعضاء منضم بعضها إلى بعض، فهكذا حال اللغة، لابد من دراستها، وقد التحمت مكوناتها من نحو، وصرف، وبلاغة، في سياق نظم واحد، وهذا ما يحققه مصطلح " النظم " الذي يقضي تلقائيا على ما عرف بقضية اللفظ والمعنى، وهذا ما سعى عبد القاهر الجرجاني إلى التأكيد عليه، أما حالة التجزئة التي عليها لغتنا فقد صنعت منها كائنا مقطع الأوصال: العظم في جهة (ويمكن أن نمثله "بالنحو" في حال اللغة، حيث أصبح النحو كالهيكل العظمي الخالي من أي جمال على أهميته في إقامة صلبها). واللحم في جهة ( وهو الذي يمكن أن تمثله البلاغة، وقد فصلت عن النحو، وسميت " المعاني " و"البيان " و " البديع " فكانوا كالأيتام في هوانهم على الناس، وقد تركت البلاغة دون سند تعتمد عليه، ويتجمل هو بها). وما نظرية عبد القاهر الجرجاني في "معاني النحو"، وحماسه الشديد في تبصيرنا بأهميتها، إلا للقضاء على هذا الخطر الداهم على كل من: اللغة، والإعجاز، ورد اللحم على العظم، والكسوة على الهيكل، للحصول على الحياة بعد القتل. وهذا ما اشار إليه الدكتور محمد منذور في كتابه "النقد المنهجي عند العرب" معرفا النقد بقوله: "النقد في أدق معانيه هو فن دراسة النصوص والتمييز بين الأساليب المختلفة" والنص كل متكامل بنحوه وصرفه، ألفاظه ومعانيها، بيانه وبديعه ومعانيه، وإذا تجزأ فقد كيانه، وكيانه يكمن في النظم الذي اجتهد الشيخ في توضيح مراتبه، الأمر الذي بوأه المكانة التي يستحق، وفي ذلك يقول الدكتور محمد منذور أيضا: " وفي الحق إن عبد القاهر قد اهتدى في العلوم اللغوية كلها إلى مذهب لا يمكن أن نبالغ في أهميته، مذهب يشهد لصاحبه بعبقرية لغوية منقطعة النظير. وعلى أساس هذا المذهب كون مبادئه في إدراك (دلائل الإعجاز)، مذهب عبد القاهر هو أصح وأحدث ما وصل إليه علم اللغة في أوروبا لأيامنا هذه، هو مذهب العالم السويسري الثبت فردناند دي سوسير الذي توفي سنة 1913 م، ونحن لا يهمنا الآن من هذا المذهب الخطير إلا طريقة استخدامه كأس لمنهج لغوي "فيولوجي" في نقد النصوص" التأكيد على أن الشيخ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وكل مطلع على كتب الشيخ يدرك هذه الحقيقة، وبقي الأمر أمانة في أعناقنا، في أن نعيد الأمور إلى نصابها، وندرس لغتنا: إما بالاستمرار على طريقة المعتزلة، كما هي موضحة في كتاب "سر الفصاحة" لابن سنان الخفاجي، الذي نكس البحث البلاغي على رأسه من البحث في الإبداع إلى البحث في الحروف، ونترك مناهجنا على حالها بكل ما فيها من لا منطقية ولا جمال، الأمر الذي ترتب عليه كره الأجيال الحالية واللاحقة للبلاغة و للغة القرآن، وانصرافهم عنها إلى اللغات الأخرى، القاصرة أن تبلغ في معانيها ما بلغته لغتنا. وإما أن ننهض إلى إتباع الحق الذي وضحه الشيخ، وتحدى أن يأتي أحد بخلافه – فلم يأت أحد بخلافه - ودعا إليه في دلائل الإعجاز، وأيدته فيه كل الدراسات اللغوية الحديثة، في ضرورة دراسة اللغة في سياق نظمها، وأن الأحكام على "الألفاظ المفردة " أو " الحروف " أو "المعنى " دون نظر إلى السياق، لهو من الظلم لكل نظم، ذلك لأن الناظم لا يصنع في "الحروف " مفردة، ولا في"الألفاظ " مفردة، ولا في "المعاني" مفردة شيئا، وإنما يحاسب ويقوم على نظمه، وطريقته في تقديم معانيه، فهذا مجال عمله، ولطالما شبهه الشيخ بالصائغ، والنساج، والبناء، الذي لا يصنع في المواد الأولية شيئا، وإنما ينحصر مجال عمله في صنعته. والذي يقوم بهذه التجزئة فحاله يشبه حال من وجد باقة ورد جميلة، صنعتها يد منسق بارع، ووزعت فيها الألوان بشكل عبقري، فرأى في نفسه أن يعيد تنسيقها بحسب مكوناتها، فجمع الورود الحمراء في باقة، والصفراء في باقة، والبيضاء في باقة، وجمع النباتات الخضراء التي كانت تتخلل الباقة فجعلها في حزمة مفردة، لقد حقق الترتيب المنشود ولكنه قضى على ما كان يسمى باقة ! تدعو الدراسة إلى ضرورة تخليص البلاغة من المسحة الطائفية التي أحاطت بها، وأخرجتها عن مسارها، فالاستدلالات التي جاء بها ابن سنان الخفاجي في كتاب سر الفصاحة ما هي إلا تكميل لعمل كل من: القاضي عبد الجبار، والرماني المعتزليين، فقد تحدث الأول عن الفصاحة دون أن يدعم كلامه بالشواهد، ونسب الآخر الإعجاز للتلاؤم دون أن يفصل القول فيه، فجاء عمل ابن سنان مكملا لعملهما. توصل البحث إلى أن الشواهد في المؤلفات البلاغية، يمكن ردها إلى ثلاثة منابع رئيسية وهي: شواهد الجاحظ. شواهد عبد القاهر الجرجاني. شواهد المغاربة. وإذا كان لا أحد ينكر اعتماد جل البلاغيين الذين جاءوا بعد عبد القاهر على مؤلفاته من أمثال الرازي، والسكاكي، والقزويني والخطيب، وغيرهم، فإن الإجماع يكاد يكون مسلما به على أبوة الجاحظ لعلم البلاغة العربية، سواء في أصولها أو شواهدها، وفي ذلك يقول الدكتور علي عشري زايد: "وقد احتوى الكتاب " البيان والتبيين " على مجموعة من أهم الأصول البلاغية الأولى التي قامت عليها دعائم علم البلاغة فيما بعد، والتي جعلت مؤرخي البلاغة يعتبرون الجاحظ واحدا من الآباء الشرعيين الأول لعلم البلاغة، على الرغم من أن الكتاب لا يشتمل على نظرية علمية متكاملة، أو حتى على قضايا بلاغية محددة، وإنما هي أفكار بلاغية متناثرة هنا وهناك، وسط حشد هائل من النصوص والأخبار الأدبية، وتراجم الأدباء ولكن هذه الآراء المتناثرة كانت هي البذور التي نماها البلاغيون فيما بعد، والأصول الأولى التي شادوا عليها صرح البلاغة العربية " ولعله هذا هو السبب الذي جعل الشيخ عبد القاهر الجرجاني يرجع للجاحظ مباشرة، لأن الذين جاءوا بعده اعتمدوا على شواهده، وتبنوا آراءه البلاغية و النقدية. كل من يحاول أن يكتب عن البلاغيين القدماء الذين أسسوا لعلم البلاغة من طريق ما كتبه المحدثون عنهم فإنه سيضل الطريق، وكل من يحاول أن يكتب عنهم بعد قراءة فقرات من مؤلفاتهم هو الآخر سيضل الطريق، وذلك بسبب اعتمادهم على التأليف التراكمي الذي سببه اعتمادهم على ذاكرتهم وهم يكتبون، فتكثر عندهم الاستطرادات والتكرار، ثم يعودون إلى الفكرة التي كانوا بصددها. فالطريق السليم للتعامل مع كتب التراث البلاغي إنما هو التمرس المتكرر بتلك الكتب حتى يتمكن الدارس من إدراك معنى ما يكتبون، وإن الذي يقرأ كتاب "دلائل الإعجاز" مثلا عشرين مرة فقط فلن يفهم مغزى ما يكتبه عبد القاهر الجرجاني. وإن الذي يأخذ فقرات من كتاب دلائل الإعجاز يؤسس عليها كتابا عن عبد القاهر الجرجاني فلن يحصل على الدقة المبتغاة مما يفعل. وبالمثل كتاب منهاج البلغاء وسراج الأدباء لحازم القرطاجني، وكتاب المنزع البديع للسجلماسي وغيرها. يقول الدكتور محمد منذور في مقدمة كتابه "النقد المنهجي عند العرب: "وفي الحق إن في الكتب العربية القديمة كنوزا نستطيع إذا عدنا إليها وتناولناها بعقولنا المثقفة ثقافة أوروبية حديثة أن نستخرج منها الكثير من الحقائق التي لا تزال قائمة حتى اليوم" من المسائل الهامة التي استنتجها البحث أن البلاغيين القدماء في مجملهم كانوا يردون بمؤلفات على مؤلفات يصححون بها ما يرونه يجانب الصواب في تلك المؤلفات، كما ينتقد بعضهم آراء البعض الآخر دون إشارة إلى صاحب ذلك الرأى، والباحث المدقق يستطيع أن يتذكر أين قرأ هذا الرأي، ثم يربط بين الآراء ويخرج بنتيجة. وليس السبب في أنهم لا يذكرون اسماء المخالفين أنهم يستنقصونهم، بل السبب أنهم لا يوجهون نقدهم للذوات وإنما النقد موجه للأفكار والآراء. ومن أوضح النماذج على ذلك هو موقف الباقلاني من الوجوه العشرة التي فسر بها الرماني البلاغة، وحصرها في تلك الوجوه، ثم نسب الإعجاز للوجه البلاغي، فعارض الباقلاني هذا التوجه بشدة، واضطره الأمر أن يستعرض جميع تلك الوجوه الواردة عند الرماني ويرد عليها واحدا واحدا، كما أن الباقلاني كان يعارض حصر البديع في عدد من الوجوه، ولذلك استعرض منه أشكالا عديدة استشهد لها من القرآن والشعر والنثر والأقوال وغيرها ؛ ليبين أن الوجوه غير محصورة، غير أن مجرد وجود الوجوه التي ذكرها الرماني بأجمعها في كتاب إعجاز القرآن للباقلاني جعلت الدكتور عبد القادر حسين يقول في كتابه "أثر النحاة في البحث البلاغي": "وبهذا الباب العاشر تنتهي أقسام البلاغة عند الرماني التي كان لها أجل الخطر على الدارسين بعده في نهاية القرن الرابع الهجري، والقرون التالية حتى نهاية القرن الثامن الهجري، فمنهم من أعجب بها، وأخذها على علاتها دون مناقشة، بل أتى كالجراد على الحقل البلاغي للرماني فلم يبق منه شيئا ولم يذر، وإنما التهم كل ما صادفه كما فعل الباقلاني". ولو تمت قراءة الباقلاني بشكل أكثر وعيا لجعلت طريقا إلى تحرير البلاغة العربية من الأقفاص التي صنعها لها الرماني وسجنها بها وسماها وجوها. وقد أشار صاحب المدونة إلى ذلك وهو يسعى إلى إيجاد سبيل لإنقاذ البلاغة فقال: فإن رأى المشتغل بالبلاغة اليوم من الضروري أن يفك حصار النمذجة والتنميط الذي ضرب على جل المواد الأدبية المنزلة في رسالة الرماني بنسبة أقل، وفي مصنفي العسكري والباقلاني بصفة أجلى وأوضح، فليس إلا أن يعود إلى نصوص الجاحظ والجرجاني، فأما مع الأول: فالمادة لا تزال طليقة حرة، تتحرك في النص بشيء من الأريحية. وأما مع الثاني: فقد عرفت المادة المنتدبة متنفسا جديدا؛ لأنها اخترقت جدار التنميط، وتجاوزت الحدود المصطنعة في التصنيف والتقسيم؛ إما لتعانق الأصول الأسلوبية والبلاغية عند الجاحظ من جديد، أو لتعرض المادة القديمة والمستحدثة في آن على مناهج أخرى تأليفية في النظر والتحقيق، سواء من جهة الأصول التصويرية، والتخييلية الكبرى الجوهرية، أو من جهة مبادئ الضم والتعليق. ثم أشار صاحب المدونة إلى ما يمكن تسميته بـ فضل عبد القاهر: قال: "ولهذا الرجل في نظرنا فضل كبير في تحويل وجهة البلاغة ودفعها نحو دوائر متسعة من الانفتاح والامتداد والتواصل، وإخراجها من البؤرة الضيقة التي كادت تتردى فيها بموجب الحصار الذي ضرب على الشعر من جراء الشروط المجحفة إن في الصناعة أو في الصنعة ".
فوزية الطاهر الشين (2010)
Publisher's website

نظرية المحاكاة والتخييل بين حازم القرطاجني والسجلماسي

فبعد هذه الرّحلة والمعايشة الطويلة مع هذه الرّسالة، يمكنني حوصلتها في نبذة مختصرة وإعطاء تصور موجز عن أهمّ النّتائج والثّمرات التي توصّلتُ إليها، علاوة على ما سأوصي به من توصيات، فقد توصّلتُ إلى النّتائج الآتية: إنّ مصطلح التخييل مصطلح فلسفي أخذ عن أفلاطون وأرسطو، فانطلق من بحوث الفلسفة، وأدخل في الأبحاث البلاغية والنقدية التي تحمل معاني المخادعة والتأثير وإثارة التعجب، فدرس التخييل تحت علم البيان الذي يشمل التّشبيه والاستعارة والمجاز والكناية والتّمثيل. ويدل في حقل الأدب والشّعر والنقد بصورة عامّة على الصور الحسّية في الذّهن، ويعبر عن فاعلية الشّعر وخصائصه النوعية، ويصف طبيعة الإثارة التي يحدثها الشّعر في المتلقي. إنّ فنّ التخييل نظرية إسلامية أصيلة، بدأ عند الفلاسفة المسلمين بأصل، وإن كانوا استفادوا من اليونانيين كمصطلح وكتسمية، ثم قَنَّنَ لها في مظهرها الفلسفي ابن سينا، وتبناها من بعده الفلاسفة المسلمون والبلاغيون، وصاغها ووسعها حازم القرطاجني، حيث تمثّلت فكرة التخييل عنده تصوراً عاماً للصناعة الشعرية، فهو البلاغي الوحيد الّذي اعتنق هذه الفكرة بحيث تكاد تكون نظرية عامّة يطبقها على طبيعة فنّ الشّعر ووسائله التّعبيريّة. إنّ حازماً والسّجلماسي ينتميان للمدرسة الفلسفية المغربيّة، ومما يلفت النظر في دراسة هذين العالمين أنّ المنهاج والمنزع على الرّغم من إفرادهما حيزاً كبيراً لدراسة المحاكاة والتخييل إلاّ أنّ الغرض الرئيسي عندهما ليس معرفة المحاكاة والتخييل فقط بل هدفهما دراسة تطوّر النّقد والبلاغة في عصرهما وقبل عصر كل واحد منهما. وقد ذهب معظم النّقاد باعتبار المحاكاة والتخييل عنصران رئيسيان في (المنهاج) بل أنّه الغاية فيه. تتقارب رؤية حازم والسجلماسي بأنّ التخييل فنّ من فنون البلاغة العربية والنقدية، فهو مصدر للصور البيانية، فمزجوه في تفكيرهم البلاغي والنقدي، ففكرة التخييل من أبرز الفكر التي عالجها حازم في(المنهاج) بقدر كبير، والذي يعدّ من أكثر النّقاد في عصره شغفاً بالتخييل والمحاكاة، ومن أوسعهم علماً بأسراره، حيث اتبعه السجلماسي في ذلك، فكان السّجلماسي بِدْعاً بين المشتغلين بالبلاغة والنّقد، حيث ربط مبحث المحاكاة والتخييل بالمباحث البلاغية والنّقدية وخاصّة المباحث العشرة التي تناولتها سابقاً. وتتقارب وجهة نظرهما في أنّ التخييل عماد الشعر وعموده الفقري وجوهره، وبه يتقوَّم، ولذلك يختلف عن الإقناع الّذي هو عماد الخطابة التي تتقوَّم به. فكل معنى أو أسلوب لا قيمة له إذا كان لا يحقق التخييل العجيب، فحازم والسجلماسي قد نهجا منهجين متقاربين في المفهوم العام للمحاكاة والتخييل وكلّ ماله علاقة بهما. فالمادّة الأدبيّة عند حازم والسّجلماسي وحدة منسجمة، تكاد تكون واحدة في بعض المواضع، فقد حللا التخييل على أنّه جزء لا يتجزأ من العمل الفنّي، وتحدثا عن تكوّنه وإنشائه ووجوده، وبهذا يكون: الشَّعر كلام مخيِّل ومخيَّل عندهما. تتقارب رؤيتهما بأنّ التَّخييل لا ينافي اليقين؛ لأنّ الشّيء ربما خيَّل على ما هو عليه وربّما حدث العكس وسبب ذلك أنّ الأسالب الشّعريّة لا تحدث أبداً في أسلوب واحد من أحد النقيضين، هما الصّدق والكذب، بل ترد الأقاويل تارة صادقة وتارة أخرى كاذبة، ومؤدى الأساس هو أنّه غالباً لا يتذوق بالشّعر من حيث كونه صدق أو كذب، بل يتذوق به ويتقبله المتلقي من حيث كونه كلام مخيِّل. يتقارب موقفهما في أنّ التخييل هو القول المخترع المستفز المتيقن كذبه، فيرى كلاً منهما أنّ القضية الشّعريّة تؤخذ من حيث هي مخيلة، فالتخييل عملية تسبق الانفعال النفسي، وأنّ المعاني العقلية ليست من جوهر الشّعر وإن لبست رداءه مع أنّهما لايقللان من دورها في رسم الصورة، فيرى كلاً منهما أنّ القيمة في الشّعر ليس ما يتمتع به من الصدق أو الكذب بل بما فيه من الصناعة المتمثلة على الأخيلة الدقيقة، فالتخييل لا ينافي اليقين، فلا يعدّ الشّعر شعراً من حيث هو صدق ولا العكس بل يعدّ شعر شعراً لكونه كلاماً منظوماً مخيّلا. يرى كلاً منهما أنّ التخييل يتعاطى بشكل فاعل من جهة النظم والوزن والأسلوب، كما أنّ اللفظ والمعنى محوران مهمان لتقديم صورة خيالية رائعة، فالتخييل إيهام وهو منوط بالشّعر، ويكون قوياً إذا كان حسّياً لا ذهنياً. يؤمنان بأنّ التخييل مصدر لكلّ الإلهام، فيرى كلاً منهما أنّ التخييل يتجاوز قضية الصدق والكذب في الشعر إلى التصديق به باعتباره مصدر وحي وإلهام، فتمثّل المحاكاة والتخييل عند هما الحقائق الصادقة التي يقبلها العقل والمنطق والتي تعتمد الأساليب المباشرة التي تصور الأمور تصويراً واضحاً. تباعد منهج كتابيهما، فقد تأثرت ثقافة حازم بالثقافة العربيّة واليونانيّة فأثرت على مضمون الكتاب ومصطلحاته، فقدم تعريفاً للشعر والتخييل والمحاكاة والوزن، واللفظ والمعنى وغير ذلك من القضايا النّقدية والبلاغيّة بأسلوب ميزّه عن غيره من فلاسفة المغرب العربيّ، فكتاب المنهاج متعدد التخصصات في اللّغة والنقد والبلاغة والأدب والفلسفة والمنطق، وكذلك كتاب المنزع إلاّ أنّه ركزّ على الجوانب البلاغيّة والنقدية أكثر. ربط حازم فنّ التخييل والمحاكاة بمفهوم الشعر بشكل عام، واعتبره العمود الفقري في كلّ الأعمال الابداعية للشاعر، فالشاعر الذي يجيد التخييل هو شاعر مخترع يشهد له بالنبوغ، أما السجلماسي فقد تحدث عن التخييل واعتبره جنساً مستقلاً من أجناس علم البيان، فيرى أنّ التخييل يضمّ أهمّ جزئيات البلاغة أمثال المباحث الأربعة التي ذكرها في كتابه. لقد اتّخذ حازم الشّعر موضوعه الأوّل، وجعل سوء أحوال نظمه وتلقيه هاجساً أرقه مما فجّر أسئلةً كثيرةً لديه، سعى من خلال الإجابة عنها إلى رسم سبيل جديد لعلم البلاغة والصناعة الشّعرية خاصّة، وفي سبيل سعيه لتقديم آرائه في المحاكاة والتخييل، استفاد في غمار هذا الموضوع من تراث العرب خاصة من خلال الفارابي وابن سينا من جهة، ومن تراث أرسطو من جهة أخرى، وقد عاهد حازم متلقيه منذ صفحات منهاجه الأولى بأن يسلك طريقاً لم يسلكها أحد قبله، وقد وفَّى لكل باحث وقارئ بعهده، كما أثبت للقارئ أنّ مسلكه لم يسلكه أحد بعده أيضاً. إنّ كتاب المنهاج قد حقّق امتداداً طيباً لدى رواد المدرسة المغربيّة لم يجعلهم يستفيدون منه فقط، بل أبان على تفوقه عليهم في تميّزه بمقصده المتمركز حول التخييل خاصّة. وأما السجلماسي فقد إتخذ البديع موضوعه الأوّل، ثم تطرق إلى قضايا نقدية وبلاغية عدّة، واعتبر التخييل جنس من الأجناس العليا للبلاغة والنّقد. فجنس التخييل يتواطئ على أربعة أنواع: التشبيه، والاستعارة، والتمثيل، والمجاز. وقد إستفاد السجلماسي بالكيفية التي بنى حازم بها رؤيته البلاغية في كتابه منهاج البلغاء فأدرك أنّ حازماً أراد أن يبني للبلاغة مجدها في إطار نظرة شمولية لا تفصلها عن كافة المظاهر العملية الشّعريّة، غير أنّ هذا المجد البلاغيّ لن يدوم طويلاً؛ إذ سرعان ما عكر صفوة ما عرفته البلاغة على يد السجلماسي من انتكاس وتراجع إلى وضعيتها القديمة من عقم وصياغة منطقية، ضيقة مفتقرة إلى المرونة الذوقية – التي هي من متطلبات العمل الأدبي- وقاصرة على استيعاب أطراف العمل الأدبي وجمع سائر الأفكاره في إطار نظرة متكاملة متماسكة على نحو ما وجد عند حازم مثلاً. تناول حازم قوانين الكلام تنظيراً وتطبيقاً بوعي كامل، وإدراك حقيقي لأبعاد الصناعة الشّعريّة، فقد استفاد من الكتابات النقدية والبلاغية اليونانية، واستنطق النصوص الأدبية العربية بعقل واعٍ وذوق رفيع فاستطاع أن يبلور نظرية في الشّعر والشّعرية، تستند إلى مجموعة من القوانين والنظم التي تتحكم في عملية إنتاج النصوص الشّعريّة من ناحية، ونقدها وتحليلها وكشف أبعادها من ناحية أخرى. فكان واعياً بقوانين الصناعة الشعرية، والوسائل الفنّيّة الداعمة لها. فقد حصر حازم قواعد التخييل في الشّعر في أربعة أنحاء، ناحية المعنى، واللفظ، والأسلوب، والنظم والوزن، ويرى أنّ هذه الأنحاء مختلفة في القيمة والدور، ولقد توصلت إلى أنّ هذه الأنحاء الأربعة التي أشار إليها حازم في الحقيقة ثلاثة؛ لأنّ القسم الأوّل من كتابه الذي بحث فيه اللفظ الذي يعتبر ناحية من النواحي الأربعة لم يصل إلينا فدمجت قضية المعنى باللفظ فأصبحت ناحية واحدة، فتسير الأنحاء إذن ناحية اللفظ والمعنى، والأسلوب، والنظم والوزن، وهذا ما حاولت أن أفك مغاليقه، وأحدد أبعاده في ضوء فهمي ورؤيتي القاصرة لفنّ التّخييل. لقد اهتم حازم بالقوى المشاركة في عملية الأداء الفنّي، فأعطى للفنّ الإبداعي عنواناً عاماً، هو (التّخييل)، موضحاً دوره في إطار سلسلة من العمليات تحصل على مستوى الوعي والإرادة، مما سيكون له أثر على صلة العمل الإبداعي بمقاييس المعقول والواقع، وقد ارتبط في العمق بتصورات الفلاسفة المسلمين اللذين فهموا الشّعر باعتباره عملية تخيلية تتم في رعاية العقل، فأعتبر الخيال إمّا أولياً أو ثانوياً. فالخيال الأولي في رأيي هو القوّة الحيوية أو الأولية التي تجعل الإدراك ممكناً، وهو تكرار في العقل المتناهي لعملية الخلق الخالدة في الأنا المطلق، أمّا الخيال الثّانوي فهو في عرفي صدى للخيال الأولي، وهو مع الإرادة الواعية في الخيال الثّانويّ، أو الخيال الشّعريّ. لقد تميزّ حازم عن غيره من النقاد بميزةِ وأصالةٍ في آنِ واحدِ، ولا يكمن ذلك في استعماله مصطلحات جديدة عن بيئة سالفيه ممثلة في التخييل والمحاكاة؛ لأنّ غيره استعملها أيضاً، كما ورد ذكره عند السجلماسي ولكن ميزته هي معرفته كيف يحلق بهذين المصطلحين بعيداً، ويحط بهما في أجواء النَّفس، حيث التحريك والاهتزاز والأثر. إنّ حازماً قد أبان عن علو كعبه وامتداد أمده في النقد والبلاغة، حيث استطاع بعبقريته أن ينتقل من الاستمداد إلى الامتداد دون إلحاق ضرر بأصالته وابتكاره حيث أجاد توظيف ما استمده فحقق به الامتداد الواسع المستمر؛ لأنّه ربط الشّعر بحركات النفس الإنسانية، فجعل نقده وخطابه يقدم أطيب العون لهذه العملية، فترك نقده في النفوس أطيّب الأثر على مرّ الزّمن. فحازم بهذه المميزات يكون قد تفوَّق على السَّجلماسي في مفهوم التَّخييل حيث جعله أعمّ وأشمل وذا فائدة إنسانية، حيث امتدّ في نقده فتفوق عليه، وسبب تجاوزه هو عكوف صاحب المنزع على العبارة، فقام بإحصائها ولم يعطي اهتماماً كبيراً إلى أبعادها النفسية لدى المتلقي خاصّة. أظهر حازم تميزًا واضحًا في تنظيمه لمادّة كتابه على أساس منهجي دقيق حيث أظهر أصالته في تحليله الدقيق والعميق لأسس النظرية الإنشائية والإبداعية والنقدية، فقد حاول تأسيس ما اسماه بقوانين الصناعة الشّعرية، في طرح نظري في معظمه وإن لم يخل الكتاب من بعض النواحي التطبيقية. ولطبيعة الموضوع المعقد الذي عالجه في كتابه، وبسبب تأثره بالمصطلح الفلسفي يجد القارئ أحيانًا لغة الكتاب شديدة التعقيد والتكثيف والتركيز، وأما السجلماسي على الرغم من أنّه اتخذ منهجاً سليماً وبأسلوب مميز في ترتيب مادّة كتابه(المنزع) وهو أسلوب فريد من نوعه، وشمولية قيمة، وروح حيوية متينة، ومع هذا الروح الشهمة والنفس النبيلة إلاّ أّنه يبقي أقلّ درجة في المنهج والأسلوب أمام منهاج حازم. إنّ حازماً هو أحد أكثر النقاد وعيًا بقوانين الإبداع الشّعريّ، اتّخذ في دراسته منهجاً شمولياً ونظرة كلّية فامتد نقده إلى العناصر كلّها، وكان هدفه البحث في القوانين العامّة للشّعرية في الشّعر العربيّ، وبيان أصولها الفلسفية والنفسية، وقد أضاف إلى النقاد الذين سبقوه إضافات جديرة بالعناية ولا سيما في مجال الأسلوب وبناء النصّ، فخصص قسماً للألفاظ (لم يصلنا)، وقسماً للمعاني، وقسماً للأسلوب وقسما للنظم والوزن والإيقاع. ولما كان مقصد حازم شاملاً والعلم الَذي سعى إلى إقامته كلياً، فقد قسمت أبواب دراسته جوانب الشّعر كلّها، ومكونات القصيدة برمّتها. ولم يتم له ذلك إلى حين جعل حركة التخييل ذات أبعاد متعدّدة تمس عناصر الشّعر الأساسيّة انطلاقاً من اللفظ والمعنى وانتهاء بالوزن دون إغفال الأسلوب، وأما السجلماسي على الرغم من تمتعه بشخصية ذات عقلية فلسفية ومنطقية واضحة إلا أنّه اعتمد في دراسته على المنهج الاقصائي والنظرة الجزئية للنصوص، فقد ظهر في منزعه النزعة المنطقية الموغلة في التفريع والاستقصاء الجامع، والتحديد المانع، فلقد استفاد من التجربة الفلسفية أيما استفادة غير أنّه ظلّ دون شأن المنهاج لحازم حيث تميّز بالرؤيا التكاملية التي تظهر عنده في إحاطته بمختلف جوانب النص الإبداعي، وإلمامه بمختلف العناصر الفنية في النص وإمكانية تكوينها وتجسيمها. إنّ كتابي الناقدين المنهاج والمنزع لم يكونا مجرد إعادة لكتابات السابقين؛ بل استطاعا أن يعيدا بناء النقد الأدبي على أركان سليمة، ومع ذلك تفرد كل واحد منهما بمزايا ميزته عن الآخر في تناوله لفنّ التخييل.
إبراهيم الهادي أبو عزوم(2012)
Publisher's website

الآراء الكوفية في "مشكل إعراب القرآن" لمكي بن أبي طالب القيسي

وفي الختام أقول: إنني لا أدعي الوصول إلى الغاية الكاملة، فالكمال لله وحده، ولكن أقول في اطمئنان إنني بذلت من الجهد ما استطعت بذله في ضوء ما توفر لديّ من متطلبات البحث المختلفة، ومهما كان نصيبي من التوفيق من الله - سبحانه وتعالى - فإنّني على استعداد لتقبل كل رأي ونقد هادف بنّاء، برحابة صدر، فأرحب بكل قلم شريف، ورأي سديد، يصوِّب ويقوِّم بدافع الغيرة والحرص على لغة القرآن الكريم، وهذا أمر متروك لقضاء الفكر في محراب العلم. ومن استقرائي للآراء الكوفية في مشكل إعراب القرآن لمكي بن أبي طالب القيسي، يمكنني أن ألخص نتائج البحث في الآتي: أكدّت أنّهم من كبار أئمة صناعة النحو، وتقعيده من قواعد، وأحكام، وقراءات. بعد أن عرضت أهم علماء مدرسة الكوفة وأصولهم في السماع والقياس، ومصادرهم في الحصول على اللغة؛ لأنّها أهم الأركان الأساسية التي أمدّت النحاة على السواء بالمادة اللغوية التي هي أصل النحو. توسع الكسائي في القياس بشكل جعل منه متفرداً في مسائل كثيرة، وكان له السّبق في ذلك، ويتضح هذا من خلال بعض مجالساته ومناظراته مع يونس البصري، فأقرّ له في مسائل عديدة، وصدّره في مجلسه. كان للفرّاء الفضل على الكوفيين في استخدام القياس بصورة صحيحة وجيدة أهلّته إلى أن ينفرد بمسائل خالف فيها النحاة على السواء. يظهر أثر القياس عند الكوفة في معارضة القياس بالقياس، بل جعلوا للقياس ضروباً مختلفة في قياس النادر والشاذ، والكثير، والمختلف فيه، والمتفق فيه، وقياس النظير، وقياس الضد. تحاملت الآراء والردود على الكوفيين في أمر السماع بشكل كبير، وَوُصِفَ المذهب الكوفي بأنّه أفسد النحو، ولكنني بعد دراسة طويلة للمذهب الكوفي أقول: إنّ ما أتى به الكوفيون من أمر السماع في جمع اللغة من الأعراب والبدو ليس شاذاً ولا مخالفاً للأصول ما دام هناك عرب نطقت به. عنى الكوفيون بالسماع خدمة جليلة للغة والنحو، ومساهمة مع غيرهم في وضع قواعدها وأحكامها، سواء بمشافهة الأعراب أم بالأخذ عمّن سمع منهم، فاعتبر السّماع أساساً للدراسات النحوية واللغوية، وأعطاه هذا مكانته المهمة بين مصادر اللغة وأحكامها. أجاز الكوفيون وقوع التمييز معرفة، واستدلوا على ذلك بما ورد في القرآن الكريم. في الضرورة يحذف الموصول وتبقى صلته عند البصريين؛ خلافاً للكوفيين، فإنّهم يجيزون ذلك في الكلام؛ لدلالة المعنى عليه. جوّز الكوفيون زيادة الواو مطلقاً، واحتجـوا علـى كلامهم بورودها كثيراً في كتاب الله. ذهب الكوفيون إلى جواز بناء الظرف المبهم إذا أضيف إلى اسم، أو الفعل المضارع المعرب، واحتجوا بورود السماع، كما هو في قراءة نافع في قوله تعالى: ﭽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂﰃ ﭼ ببناء (يوم) على الفتح. أجاز الكوفيون في مسألة النصب على إضمار الفعل بتقدير أفعال لها على أقل تأويل؛ خلافاً للبصريين، فقد أكثروا من التقديرات والتأويلات في مسائل الإعراب. جوّز الكوفيون العطف على الضمير المخفوض دون إعادة عامله، ولكن ما اتضح لي بالنسبة للفرّاء في هذه المسألة دون سائر الكوفيين أنّ رأيه لا يبتعد كثيراً عن رأي البصريين، وقد أوضحت ذلك في البحث. جوّز الكوفيون إضافة الشيء إلى نفسه واستندوا إلى السماع والذكر الحكيم في قاعتهم هذه. جوّز الكوفيون الاتباع في الاستثناء المنقطع؛ استناداً على ما ورد في الشعر والقرآن الكريم. أجاز الكوفيون حذف (الفاء) في جواب الشرط، وجعلوه حذفاً مقيساً، واحتجوا بقول حسان بن ثابت: من يفعل الحسنات الله يشكرها. . . والشر بالشر عند الله مثلانأجاز الكسائي أن يأتي جواب (لمّا) بلفظ المضارع كما تقدم ذلك في البحث. نسب مكي للكوفيين في إعراب قوله تعالى: ﭽ ﭣ ﭤ ﭥ ﭼ أنّهم أخبروا عن الموصول قبل تمام صلته، ونسب ذلك إلى الفرّاء، وأثبت خلاف ذلك كما أوضحت في البحث. أجاز الكوفيون أن يعمل في (كم) ما قبلها. أجاز الفرّاء وقوع الحال معرفة، واستند في إعرابه ومذهبه على قوله تعالى: . نسب مكي للفرّاء: جواز وقوع الفعل حالاً دون أن تسبقه (قد)، والذي تبيّن لي خلاف ذلك؛ فالفرّاء منع ذلك حتى في الكلام، والشعر، وقد أوضحت ذلك، وشرحت في البحث. أجاز الكوفيون حذف الموصوف وإقامة صفته مقامه. أجاز الكوفيون وقوع (الكاف) اسماً في الكلام واستندوا على ذلك بحجج قوية وداعمة قبلها أغلب النحاة. المنهج العام للكوفيين في النحو والصرف يبدو لي متقارباً وفيه تشابه كبير، خاصة وأن ذلك اتضح لي من خلال الاستشهاد بالقرآن الكريم وقراءاته وأنّ ما جاء فيه يُعدّ أفصح اللغات وأحسنها، وكذلك الاستشهاد بالشعر وكلام العرب بكثرة. توسع الكوفيون في السماع والقياس، ساعدهم ذلك على اكتشاف أنماط وكلمات لغوية لم يذكرها البصريون، ولمسنا ذلك من خلال ما جاء في وزن (توراة)، فسمع الكوفيون (تَفْعَله) و(تُفْعله)، وأقرّ البصريون بذلك وأنهم لم يسمعوا ذلك في اللغة، ؟ وبينّا ذلك، ومثل ذلك أيضاً ما جاء في جمع (فَعَالى) في خطايا. اشترط البصريون ألا تكون الياء لتجديد النسب، ولكن الفرّاء خالف هذه القاعدة وبنى قاعدته في مثل ذلك أنّ واحد (أناسي)، إنسى كما جاء عند ورود مكي إعراب هذه الكلمة في سورة الفرقان، ولقد أوضحنا ذلك. لم يكن الكوفيون مجرد نحاة يخترعون القاعدة، ويضعون أحكامها، وقواعدها، بل تجاوز اهتمامهم أكبر من ذلك، فقد اهتموا بتعليل ما خالف القياس بوجوه عدة، ذكرت في كتب النحاة، ومن ذلك يكون (بالخفة أو بالحمل على اللغات أو بالحمل على الضد، ومن ذلك ما لمسناه من تعليلهم). في سقوط التاء من الفعل المضارع، وعله سقوط الواو من الفعل (وقى) في قوله تعالى: تمسك الكوفيون بظهور الأصل في فعل الأمر. غلب على الكوفيين في تحليلهم في بنية الأدوات الميل إلى التركيب وليس البساطة، واتفق الفرّاء مع الخليل في تركيب (مهما) كما أنّ (وي) عند الفرّاء مشتقة من رأي الخليل، وبيان ذلك تقدم. منهج الكوفيين يتصف بالشمول والعموم، فمالوا إلى إكثار المصطلحات وتعدّدها، وإعطاء المصطلح الواحد أكثر من لفظ ومعنى، واتضح هذا عند أكثر النحويين القدماء حيث استخدموا أكثر من مصطلح واحد؛ تعبيراً عن الحقيقة أو الفكرة الواحدة لديهم. تميزت مصطلحات الكوفيين التي استخدمها الفرّاء في معاني القرآن بالدقة والنضج أكثر من غيرها.
فاطمة عبـد الكريـم المهدي (2010)
Publisher's website